الشيخ عبد الغني النابلسي

76

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

فيه لا نتعداه ( فلا ندعي ) أبدا بألسنتنا ولا بقلوبنا ( ما ) ، أي الكمال الذي ( أنا متحققون به ) فضلا عن عدم تحققنا بذلك بأصحاب العلوم القاصرة عن مرتبة التحقيق ( وحاوون عليه ) بالاطلاع المحقق من الكتاب والسنة ( بالتقييد ) متعلق بندعي ، أي بتقييد دعوانا بذلك الذي فينا فقط ( فكيف أن نطلق في الدعوى ) ، أي إطلاقا ( فنعم بها ما ليس لنا ) من الكمال ( بحال ) من الأحوال ( وما أنا ) ، أي نحن ( منه على علم ) فنفتري بذلك على اللّه تعالى أنه وضع ذلك فينا ، ولم يكن وضعه على نفوسنا أن ذلك فيها وليس فيها ، والمراد بدعوى ما فينا المذمومة فضلا عما ليس فينا الدعوى الصادرة من قبل النفس الزكية لها كما قال تعالى : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى [ النجم : 32 ] . وأما التكلم باللّه تعالى لا بالنفس في إظهار ما انطوى عليه العبد من الكمال بنية شكر نعمة اللّه تعالى فليس ذلك بمذموم كما قال تعالى : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ( 11 ) [ الضحى : 11 ] ، وليس ذلك مراد الشيخ قدس اللّه سره ، لأنه سمى ذلك دعوى والدعوى لا تكون إلا بالنفس للتزكية ، وغير ذلك شكر لا دعوى ولهذا قال : ( فنفتضح ) ، أي بظهور عجزنا وقصورنا في الدنيا ومؤاخذتنا بذلك في الآخرة ولا افتضاح في الشكر بل فيه المزيد من النعمة كما قال تعالى : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : 7 ] . ( فهذا التعريف الإلهي ) لنا بما وقع بين الملائكة وآدم وإبليس ( مما ) ، أي من جملة الأدب الذي ( أدب الحق ) تعالى ( به عباده الأدباء ) ، أي الكاملين في أدب المعاملة معه تعالى سرا وجهرا ( الأمناء ) على أسراره ومعارفه ( الخلفاء ) في أرضه على كافة خلقه ، ولهذا ينتفعون به دون غيرهم ممن لم يكن بهذه الصفة . وحيث فرغ من الكلام في سر إيجاد آدم عليه السلام في هذا العالم شرع في بيان حكمة إنشاء روحه وجسده فقال : * * * ثمّ نرجع إلى الحكمة فنقول : اعلم أنّ الأمور الكلّيّة وإن لم يكن لها وجود في عينها فهي معقولة معلومة بلا شك في الذّهن ؛ فهي باطنة لا تزول عن الوجود العيني . ولها الحكم والأثر في كلّ ما له وجود عينيّ . بل هو عينها لا غيرها ، أعني أعيان الموجودات العينيّة . ولم تزل عن كونها معقولة في نفسها فهي الظّاهرة من حيث أعيان